..
وبدءا الكتابة ذاتية وتفكيرية أكثر منها أكاديمية فلا يتوقع مني أحد أن أقول المعنى اللغوى والشرعي للشرعية
وبدءا أيضا أن منهجي هنا في الكتابة هو أني قمست الفكرة إلى ثلاث مراحل لأستطيع الحديث عنها :
الأولى :الخلفية لتلك الفكرة ودوافعها وأسبابها
الثانية : واقع تلك الفكرة وكيفية التطبيق الحاضر لها
الثالثة : هي النتجية المستقبلية في حال نجاح هذه الفكرة وسيطرتها وانتشارها
..
السلفية عندي هي أسلوب في التفكير يعتمد في تفكيره أكثر ما يعتمد على النصوص في محاولة صادقة لإيجاد تأصيل شرعي لأي تحرك أو اختيار فقهي أو سياسي له ،ومع صحة وأصالة وشرعية هذا التوجه إلا أن المبالغة في الاعتماد على النصوص جعلهم يضعون نصوصا ثانوية _أقوال التابعين والفقهاء والإئمة_بجانب النصوص الأصلية جنبا بجنب ،وهي النصوص هي أصلية في الثقافة والتراث الإسلامي ولكنها ليست أصلية في الدين الإسلامي نفسه
ومحاولة تأصيل كل تحرك بأصول ونصوص توجب أن يكون الفرد طالبا للعلم الشرعي وتكون مهمة طلب العلم هذه من المهام الأساسية عنده لكي يسير على هدى غير متخبطا ولا مكبا على وجهه
هذه واحدة من الصفات الملازمة للسلفية في ذهني وهي صفة إيجابية لا شك لولا أن هناك خلط واسع بين النصوص الأصلية والثانوية
ولولا أن المبالغة في التأصيل_كما يقول أخ لي _ينتج عنها اتهام كل جديد بأنه بدعة
..
والسلفية كما اراها أيضا هي لا تتعامل بروح إسلامية جماعية _أي لا تنظر إلى أمة الإسلام ومصالحها بقدر اهتماما بالدفاع عن اصول فرقتهم_ولكنها تتعامل بروح طائفية ،فتجد اهتماما كبيرا من علمائها في الجدل في الخلاافات بين السنة والشيعة أو بين أهل السنة وبين المعتزلة ،وكمثل تجد طالب العلم الشرعي الذي لم يكمل يومين في طلب العلم يأتيك ليسألك عن رأيك _أيها الفحل_عن استواء الله على العرش ويختبرك ليرى هل أنت من المشبه والمجسمة أم أنك ترى عدم التأويل وللا تعطيل وتأخذ الكلام كما هو ،وفي اليوم الثاني سيناقشك في في خلق القرأن وهي قضية تافهة يكاد يكون الخلاف فيها لفظي كما يقول الشيخ أبو زهرة وهي قضية لا يبنى عليها ولا تستفيد منها الأمة لو اجتمعت على أن القرآن قديم وليس مخلوق ،والحديث في الأمور هذه من رواسب العصبية المذهبية والانتصار للمذهب والانغلاق داخله بدلا من محاولة النهوض بالأمة والتفكير البناء في كيفية الدفاع عن المسلمين
..
والسلفية أيضا كما أراها هي التجلي الواضح لمدرسة الحديث التي تعني كثيرا بعلم الحديث ،وهو ليس عيبا في ذاته ولكن العيب في التطبيق ،فنظريا يفترض على من يجمع الكثير من النصوص أن يكون تفكيره واسعا يتسع لما عنده ولكن ما حدث أنهم غرقوا في النصوص ولم يستيطعوا العوم لينظروا الواقع ويبحثوا في كيفية التعامل معه وانحصر تفكيرهم في تأويل الحديث وتوفيقها ودرء تعارضها وابتعد التفكير نهائيا عن مقاصد الشريعة وحل مكانها مقاصد ابن تيمية أو ابن حنبل أو هذا العالم أو ذاك من كلمته
السلفية وقعت تماما فيما تحاربه ،وهي أنها لم تعود للقرآن والسنة بل عادت لآراء الرجال ورؤاهم وأفكارهم وربما يكون مثال الخلافة هنا مناسبا ،ستجد سطحية وسذاجة حين حديثهم عن الحكم والسياسة وذلك لأنهم مجبرون_بشكل لا واعي_على اتباع الفقهاء وآراءهم في هذا ..وكل هذا بعيدا عن الكتاب والسنة
وهنا مقصد الشيخ الغزالي حينما يقول أنهم تركوا القرآن وتفرغوا للحديث ..فالقرآن به الأصول والمقاصد والإسلام نفسه وهو ثابت لا يحتاج للبحث في سنده بينما الحديث بع التفصيلات التي تحتاج للتأمل والتأويل ويخلق _اذا فاق الاهتمام به الاهتمام بالقرآن والفقه والسيرة _إنسانا نصوصيا لا يستطيع أن يغادر بيئته النصوصية ليظل قادرا على التنفس داخل هذه البيئة
..
هذا عن رؤيتي للخلفية الفكرية للسلفية وتحليلي_حسب قدراتي البسيطة وثقافتي المحدودة _لها
..
ومبا أن لكل شئ سببه_خلفيته ودوافعه_ وواقعه_تطبيقه الحاضر لأفكاره وخلفياته _ونتيجة _مستقبلية ناتجة من خلفيته وتطبيقه _
وقد تحدثت عن الخلفية وأسأتحدث عن الواقع
..
الواقع والتطبيق الذي نراه للسلفية بكاد يكون متمحورا في جملته في عدة نقاط
أولا : الاهتمام المبالغ بالجوانب التعبدية البحتة وبالاخلاق عند دعاتهم ،وهذا إما ناتج عن عدم رغبتهم في الصدام مع الدولة أو ناتج عن فهمم لولي الأمر وضرورة طاعته في كل الأحوال
وهم يعظمون في هذا الجانب الفردي في الإسلام الذي هو من وجهة نظري هو دين دولة _لم أقل دين "و"دولة_وهو ما نتج عنه اخلالا رهيبا في التفكير في مشاكل الأمة وكيفية الخروج منها ،فالذي قض حياته يتكلم أو يسمع عن التعبدات الفردية ولم يهتم إلا بها سيحيل أي مشكلة مهما كانت إلى لعدة أسباب ثابتة مثل عدم المواظبة على الصلاة وعدم انتشار الحجاب الشرعي ،ولا يشغل باله بالسنن الكونية التي خلقها الله عندما خلق هذا الكون ولا يشغل باله بمحاولة حل هذه المشكلة عن طريق الأخذ بالأسباب الحقيقية كما علمنا نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام
ثانيا : الازدراء الشديد لبقية الجماعات الإسلامية وأسهل تهمة هي أن الجماعة الفلانية تعاني من مشاكل عقيدية
وهذا ناتج عم ما الروح المذهبية التي يقتصر تفكيرها على المذهب والطائفة وليس على الإسلام والمسلمين بعامة ،والنزعة النرجسية عند الكثير من شبابهم هي ناتجة عن قول شيوخهم لهم بأن مذهبهم هذا هو مذهب الرسول وأصحابه بينما الإخوان مثلا مذهب حسن البنا ،وهذا احتكار صريح للدين ،والنزعة النرجسية هذه قامت أيضا على تصورهم أن لب الأمور كلها في العلم الشرعي_الذي لم يعلم عنه الكثير من الصحابة شيئا_ ومادام هذا الشاب أو ذاك هو أضلع منك في العلم الشرعي فطبيعي أن تكون عنده هذه النزعة الاستعلائية الرافضة لنقاش الجهلة أمثالك أو التفكير في مذهبهم الذي هو مذهب الرسول عليه الصلاة والسلام
ثالثا : من النقطة الأولى والثانية ،أي نتاج لعدم الرغبة في الصدام مع الدولة والنزعة النرجسية ومع الاهتمام بالأمور التعبدية البحتة فقط ،يزداد انتشار التيار السلفي يوما بعد يوم للحرية الكبيرة نسبيا التي يتمتع بها شيوخه بجانب الدعم المالي الرهيب من شيوخ وأمراء البلاد البترولية
والازدياد هو استغلال للاتجاه الشعبي نحنو التمسك بالدين ..وتحويله إلى السلفية والتعبدات الفردية ولذلك ترضى الدولة بهذا الاتجاه أتم الرضا لأنه هكذا يتم إبعاد طاقات ومواهب هائلة من الممكن أن تسهم في نهضة المسلمين ..واختزالها في درس علم للشيخ الفلاني وبذل العمر في تصحيح أو تضعيف هذا الحديث أو ذاك
وبديهي أنه بازدياد الاتجاه نحو السلفية بدأ يقل الاتجاه إلى التيارات الإسلام السياسية مثل الإخوان وأصبحت هناك من الشبهات السطحية والساذجة حول المسلك السياسي الإسلامي الكثير جدا مما يحتاج عمرا آخر منا لكي يتم توضحيها ومناقشتها مع هؤلاء
رابعا : في التيارات الإسلامية السياسية مثل الإخوان بدأ يظهر هذا التفكير المولع بالشبهات الشرعية الساذجة والذي يحصر نفسه في دائرة الفرد وعبادته ويقل اهتمامه بالشئون السياسية الجماعية وفقه احياء الدعوة والفقه الحركي ،والإسلام هو دين الوسطية يفرض اهتماما بالعبادات كما يفرض اهتماما بشئون السياسة وفقه الدعوة
وحين يطغى أحد الجوانب على الآخر معناه إما أن الحركة تكون قد أخلت بموازنات إلهية وأحدثت فجوة وثغرة في البناء الإسلامي العام ،كمثال على ذلك ستجد الكثير من الاخوة بدأت تستغرقه الأحاديث عن النقاب واللحية وبدأ يقل اهتمامه بالسياسة والفكر الاستراتيجي واعداد العدة للنهضة الإسلامية وعمارة الأرض
وهنا أنقل تعبير أحد الكتاب الذي رأى في انتشار الاتجاه السلفي اغتيالا للصحوة الإسلامية لأنه ينتزع القاعدة الشعبية منهم ويحبسها في المسجد
..
بعد الحديث عن الخلفية والواقع ،يأتي الدور على النتيجة لنتحدث عنها
والنتجية في نظري تبدو بديهية فحين يهرع الشباب للاتجاه السلفي وتذهب ألوف العقول للبحث في صحة أحاديث صححها الحاكم وضعفها الذهبي وحسنها الالباني ،وحين يكتفي إخواننا بإطلاق اللحية والجلوس في حلقات العلم وحين تكتفي أخواتنا بالانتقاب والجلوس في البيوت ،كل هذا مع التسليم بوجود الروح النقية الصافية لكنها لا تفيد تفيد تجاه سنة الله في الكون التي لا تبديل لها شيئا
فالنتائج الأولية هي :
أولا :سحب البساط من تحت أقدام حركات الإسلام السياسي
ثانيا :انتشار ثقافة طاعة ولي الأمر وضرورة طاعته والتأويل له
ثالثا : إنتشار ثقافة تحليل أي ظاهرة أو حدث وإرجاع أسبابه إلى البعد عن صلاة الفجر والحجاب الشرعي والبعد عن التحليل عن طريق سنن الله في الكون بجانب ذلك ،مع ما ينتج عنه إلى الفرار إلى المساجد لإنقاذ الأمة وعدم القيام بأي عمل نهضوي حقيقي لنهضة الأمة وانقاذها وخلافة الله وعمارة الأرض
النتيجة النهائية لا اعرفها بالطبع ..لكن تحضرني صور نساء مفزوعات يجرين هنا وهناك ويصرخن وطفل صغير منزو مرعوبا بجوار حائط نصف مهدوم ..بينما رجال البلدة في المسجد يناقشون دم البرغوث هل يبطل الوضوء
..

